كيف نرى الاستعمال مقابل الإدمان؟

كيف نرى الاستعمال مقابل الإدمان؟
4.8 (96%) 5 votes

تشهد حلبة الإدمان في العالم تغيّرًا خلال السنوات الأخيرة. في سنوات مضت كان “يوم مكافحة السموم” يرمز على نحو تقليدي الى توجهات مثل – just say no – “قولوا لا للسموم”، وسط استخدام مصطلحات “السيء المطلق” والتعامل مع من يعانون من اضطرابات إدمان كمن يعانون من خلل أخلاقي. الحرب على المخدرات، مثلما جرت العادة على تسميتها، استخدمت مصطلحات الأبيض والأسود، ونظرت الى كل من يستخدم السموم كشخص يعاني من اضطراب، “مدمن”، من دون تطرق الى الطيف الواسع لاستخدام مواد تحدث تغيّرا في الوعي. وفقا لهذا التوجه تم وضع السياسات العامة في المجال وكذلك تبلورت توجهات العلاج التي استندت الى مبدأ الإقلاع التام بوصفه هدفا وحيدا لجميع المعالَجين. بالإضافة الى ذلك، طالبت أطر كثيرة المعالجين بالإقلاع كشرط لبدء علاج او إعادة تأهيل، واعتمد معالِجون كثر توجهات قانونية ونقدية نحو المعالَجين.

يشمل التغيّر الحاصل في السنوات الأخيرة تعاطيًا مركبًا أكثر مع مصطلح “الإدمان”، الذي تحول الى مصطلح مشحون جدا وليس بمقدوره في حالات كثيرة وصف الحالة المركبة بالدقة المطلوبة. إن التطورات المختلفة في العالم الحديث – مثل الاستعمال الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، والتغيرات الحثيثة في سوق العمل، تؤثر بدورها على أنماط الإدمان وتطرح الحاجة في إنتاج تعريفات مجددة وتطوير تعاطٍ مختلف مع الإدمان، سواء بالمفهوم السريري والعلاجي أو التعاطي الاجتماعي بكل جوانبه المركبة.

 

على هذه الخلفية نشرت منظمة الطب النفسي الأمريكية عام 2013 تعريفات مجددة في المجال. إن المصطلحات العلاجية “استخدام سيء” و “تعلّق بمواد” استُبدلت بتعريف مجدد هو “اضطراب الاستعمال”. الشخص الذي لديه اضطراب في الاستعمال هو ذاك الذي يواجه أي مستوى من الاضطراب في أدائه بسبب استعمال مادة معينة أو نمط سلوكي ما، وعلى الرغم من ذلك يستمر في ذلك النمط من الاستعمال او السلوك. إن اضطراب الاستعمال يقسّم وفقا لمستويات الخطورة بين خفيف، متوسط أو خطير، وذلك استنادًا الى 11 معيارا تم وضعها في كتاب التشخيص النفساني الـ DSM-5. تلك المعايير مكتوبة بصيغة أسئلة تتطرق الى شكل استعمال المواد، الإحساس بالسيطرة والأداء الذاتي للشخص المستعمِل، صعوبات مختلفة في الأداء اليومي وغيرها. وهكذا ينشأ مبنى كامل لوصف مشكلة الإدمان، مما يتيح التعاطي الدقيق ومتعدد المستويات مع الشخص الذي يعاني من الإدمان.

 

تقليص أضرار

 

لقد تغيّر أيضًا التوجه لمعالجة الإدمان. فالتعاطي مع معالجة “إضطراب الاستعمال” بمختلف مستوياته، يتيح براغماتيّة وملاءمة دقيقة لاحتياجات المعالَج أو المعالَجة. كما ذكرنا، فإن برامج العلاج التقليدية تطالب على الأغلب بالتزام مطلق للإقلاع عن الاستعمال. حين تكون هذه هي البدائل الوحيدة، يمتنع كثير من الأشخاص عن التوجه الى العلاج، بسبب خشيتهم من التوقف التام عن استعمال المادة وكذلك الخشية من موقف حُكمي تقييمي ضدهم.

 

إن توجه تقليص الأضرار – Harm Reduction قد تطور من أجل توفير مساعدة لكل شخص وفقًا لاحتياجاته، للتحديات التي يواجهها ولرغبته الشخصية. هذا التوجه يعترف بأن المواد والسلوكيات المؤدية للإدمان، سواء كانت قانونية أم غير قانونية، هي جزء لا يتجزأ من العالم الذي نعيش فيه اليوم، وذلك من دون تجاهي الضرر القاسي والخطر المرتبط بحالات الإدمان، والحاجة في محاولة تقليص تأثراتها المضرة.

 

يستند العلاج نفسه على الإصغاء وهو كما ذكرنا ملاءَم للمعالَج ولاحتياجاته المتميزة. تتناول مرحلة العلاج الأولى فهم عالم المعالَج، تحديد احتياجاته ورفع الوعي لديه للإشكاليات والأضرار المحتملة الناجمة عن استعمال السموم. يتم بعد ذلك تحديد أهداف مشتركة للعلاج، اتخاذ قرار بشأن التغييرات المطلوبة، وبناء ما يشبه برنامج عمل لتقليص الأضرار التي تم تعريفها. يتلقى المعالَج خلال العلاج أدوات ومهارات للرقابة والأداء الذاتيين بشأن الاستعمال، يتعلم كيفية معرفة محدودياته واستعادة السيطرة على السلوكيات التي تلحِق به الضرر.

 

عيادة معالجة الإدمان

 

اضطرابات استعمال مواد قد تلحق الضرر بالصحة، بالأداء في العمل، الحياة الزوجية والعائلية، بل قد تكون اضطرابات قاتلة. تلقي المساعدة في مرحلة مبكرة من شأنه منع أضرار كثيرة للشخص الذي يعاني من اضطراب، والأشخاص القريبين منه الذين كثيرًا ما يعانون هم أيضًا مساسًا جديًا بحياتهم.

 

لهذا، فقد أقمنا في المركز الطبي لمعالجة الإدمان عيادة لمعالجة الإدمان. هذه العيادة التي تعمل بالاشتراك مع المركز الطبي ليف هشارون، تعرض إطارًا مدمجًا يتم فيه ملاءمة البرنامج العلاجي لكل واحد وواحدة وفقًا للوتيرة، المنهج والطريقة التي تلائمهم. وكل ذلك لهدف تحسين وضع المعالَجين الصحي وجودة حياتهم هم وعائلاتهم. وفقًا لرؤيتنا وفي إطار توجّه تقليص الأضرار، يتسنى في عيادتنا اقامة علاقة مفتوحة وحقيقية وحوار مشترك يحترم المعالَجين. نحن نقترح على المتوجهين إلينا مكانًا آمنًا وغير حُكمي تقييمي، من أجل العودة الى أدائهم وإدارة شؤونهم واستعادة السيطرة على حياتهم.